مجموعة مؤلفين
107
مع الركب الحسيني
كان الذي بلغك ، ولن أضيع يدك عندي ، فأنت آمن وأهلك ! فَسِرْ حيث شئت ! » « 1 » كاشف عن ثقته التامة بأنَّ الكوفة فعلًا بيد قيادة الثورة ، وأنّ ابن زياد ليس إلّا أميراً رمزياً يومذاك ! ولا يخفى على ذي دراية أنّ قوله لابن زياد : « . . فإن شئت أعطيك الآن موثقاً مغلّظاً الّا أبغيك سوءً ولا غائلة ، ولآتينّك حتّى أضع يدي في يدك ، وإنْ شئت أعطيتك رهينة تكون في يدك حتّى آتيك ، وأنطلقُ إليه فآمره أن يخرج من داري إلى حيث شاء من الأرض فأخرجُ من ذمامه وجواره ! » كان قولًا صادقاً وفيه من العمق السياسي الشيء الكثير ، إذ لو خرج من القصر لأخرج مسلم بن عقيل عليه السلام من داره فعلًا ولكن إلى قيادة الثورة بالفعل ، ولأعلنها حرباً على ابن زياد يؤلّب لها الآلاف الكثيرة من المبايعين من مذحج وكندة وبقية القبائل الأخرى ، فليس بعد يومه ذاك ما يدعو إلى الصبر والإنتظار - بعدَ أن اخترق ابن زياد حركة المعارضة من داخلها وعلم بكلّ شيء ! - وهذا لا ينافي أنّ هانئاً ( رض ) كان صادقاً بقوله لابن زياد : « ألّا أبغيك سوءً ولا غائلة ، ولآتينّك حتى أضع يدي في يدك ! » ، لأنّه قد يشفع لابن زياد - بعد انتصار الثورة بالفعل وسيطرتها على الكوفة وعلى القصر - ويأتيه كما وعده ويضع يده في يده ليسرّحه مع أهله إلى الشام ، ولهانيء بن عروة ( رض ) من المنزلة الرفيعة عند مسلم عليه السلام وعند أهل الكوفة ما يُستبعد عندها ردُّ شفاعته ، أللّهمَّ إلّا إذا اعتُرضَ عليه بالدماء الزاكيات التي سفحها ابن زياد ظُلماً وجورا .
--> ( 1 ) تاريخ الطبري ، 3 : 282 ؛ وفي رواية ابن قتيبة أن ابن زياد قال لهانيء : « يا هانيء ، أما كانت يدزياد عندك بيضاء ؟ قال : بلى . قال : ويدي ؟ قال : بلى . . قد كانت لكم عندي يدٌ بيضاء ، وقد أمنتك على نفسك ومالك ! » ( الإمامة والسياسة ، 2 : 5 ) .